التَّعْلِيمُ وَبِنَاءُ الإِنْسَانِ.. حِينَ نَصْنَعُ الفَرْق
مقال خاص بالدكتورة ليلى الطاهر
التَّعْلِيمُ وَبِنَاءُ الإِنْسَانِ.. حِينَ نَصْنَعُ الفَرْق
بقلم:
د.ليلى الطاهر_ عضو هيئة التدريس_ كلية الآداب_ جامعة قنا
في زمنٍ تتسارع فيه عجلة المعرفة وتتداخل فيه التقنيات الحديثة لتعيد تشكيل ملامح الحياة اليومية وأسس المستقبل، لم يعد التعليم مجرَّد طريقًا للحصول على شهادةٍ أكاديميةٍ أو وسيلةٍ للالتحاق بوظيفةٍ تقليدية، بل تحوَّل في جوهره ليصبح ركيزةً أساسيَّةً لبناء وصناعة الإنسان المتكامل، وصقل مهاراته الفكرية والإنسانية، وتأهيله لمواجهة تحديات الحياة ومتغيراتها بثباتٍ ووعي.
ومع انطلاق عام دراسي جديد، يقف المجتمع بأسره -من أسرٍ ومؤسساتٍ تربوية- أمام فرصةٍ حقيقية ومسؤوليةٍ كبرى؛ لنتوقف بتساؤل: ماذا نريد أن نغرس ونترك في عقول أبنائنا وقلوبهم؟ هل نكتفي بتقديم كمًّا هائلًا من المعلومات المجردة والمناهج الصماء، أم نسعى لخلق شغَفًا مستدامًا بالمعرفة والتعلم، وغرس ثقةً راسخةً في نفوسهم تمكّنهم من مواجهة المستقبل بكل إقدام؟!
إنَّ العلاقة بين المعلِّم والطالب هي قلب العملية التعليمية؛ فكلما قامت على الحوار والثقة والاحترام، أصبح التّعلم أكثرَ حياةً وأقربَ إلى الواقع؛ فالمدرسة والجامعة لا ينبغي أن تكونا محطتَيْنِ للحصول على الشهادة فقط، بل فضاءً تتشكل فيه الشخصية، وتتسع فيه الرؤية، ويتعلم فيه الإنسان كيف يكون نافعًا لنفسه ومجتمعه.
ومع استقبال السنة الدراسية الجديدة، نحن أمام فرصة جديدة لننظر إلى التعليم باعتباره رحلةً جميلةً لا تتوقف عند حدود الامتحان، بل تمتد إلى الحياة كلها، فرصةً لأن نمنح أبناءنا الثقةَ إلى جانب المعرفة، ونشجِّع فيهم السؤالَ إلى جانب الإجابة، ونحتفي بالمحاولة كما نحتفي بالنجاح.
فكل عام دراسي جديد يحمل معه بداياتٍ جديدةً، وأحلامًا جديدةً، وآمالًا بأن يكون الغدُ أفضلَ، وما أجملَ أن نبدأ هذا العامَ ونحن نؤمن بأنَّ كل طالب يحمل في داخله قدرةً تستحق أن تُكتشَف، وأنَّ كل معلم يستطيع أن يترك أثرًا، وأنَّ كل درس يمكن أن يكون خطوةً نحو مستقبل أكثر إشراقًا، فلنجعل من عامنا الدراسي الجديد بدايةً للعلم، وبدايةً للأمل، وبدايةً لبناء إنسان قادر على أن يصنع الفرق.
إنَّ التعليم الذي نطمح إليه ليس تعليمًا يملأ العقول بالمعلومات فقط، بل تعليم يوقظ الفضولَ، ويمنح الثقةَ، ويشجِّع على التّجربة، ويجعل المعرفةَ قريبةً من الحياة.
لعلَّ رسالتنا تكون بسيطةً: لنُعِد إلى التعليم شغَفَهُ، وإلى الطالب فضولَهُ، وإلى المعلم حماسَهُ، وإلى المدرسة روحَها، فحين يجتمع العلم بالشغف، تصبح رحلة التّعلم أكثرَ إنسانيَّةً، ويصبح المستقبل أكثرَ اتساعًا.
ختامًا:
تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِمًا
وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وَإِنَّ كَبِيرَ الْقَوْمِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ
صَغِيرٌ إِذَا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْجَحَافِلُ
وَإِنَّ صَغِيرَ الْقَوْمِ إِنْ كَانَ عَالِمًا
كَبِيرٌ إِذَا رُدَّتْ إِلَيْهِ الْمَحَافِلُ.
ما هو رد فعلك؟