مايكل يوسف ورحلة البحث عن إيمونت

دراسة نقدية وتحليلة بقلم د.زينب العسال حول رواية إيمونت للكاتب مايكل يوسف إعداد صحفى وتنسيق د.اية نور

فبراير 7, 2026 - 21:32
 0  24
مايكل يوسف ورحلة البحث عن إيمونت

مايكل يوسف ورحلة البحث عن إيمونت 

 

بقلم/ د.زينب العسال

 

أن تنضم رواية جديدة «إيمونت» تستلهم التاريخ الفرعوني إلى ثلاثية نجيب محفوظ: عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة، والعائش في الحقيقة، وأحمس بطل الاستقلال، وحواديت فرعونية لخالد الشلقاني، واعترافات سيد القرية لمحمد جبريل، ومسرحية حتشبسوت للشاعر مهدي بندق، ومسرحية إخناتون ونفرتيتي لباكثير، وسلسلة روايات لليافعين صدرت عن روايات الهلال للكاتبة…

 

وواصل الاهتمام باستلهام التاريخ الفرعوني ما كتبته أجاثا كريستي، وتحول إلى أفلام صُوِّر بعضها في مصر، لا يمكن نسيان فجر الضمير، وإيزيس تفكر في العودة، ورواية الكاتب الفرنسي تيوفيل جوتيه المومياء، وتكتب الروائية والشاعرة والناقدة عبير العطار رواية عروس السراديب. ولو تتبعنا ما أنتجته الأقلام شرقًا وغربًا فالقائمة ستطول.

 

والسؤال: ما الجديد الذي قدمه مايكل يوسف في روايته إيمونت «لعنة الحب» عنوانًا فرعيًا؟

البعثات الاستكشافية، ولعنة الفراعنة، كيف تحوّل الحب إلى لعنة؟

عالم روائي يبدأ بوفاة أم بطل الرواية «بدر»، ويلعب راتب دور المحفز للأحداث كصديق لبدر، يقف بجواره في محنته، ليكشف لنا المؤلف بعد ذلك الأزمة الحقيقية لبدر وراتب كشابين يعملان في مجال البحث عن الآثار، ثم ينضمان إلى بعثة استكشافية تهدف إلى معرفة من هي الشخصية التي وردت في إحدى البرديات: «إيمونت كبيرة كهنة معبد آمون».

 

يتتبع مايكل كيف تتكون البعثات الاستكشافية، ومدى حرص أفراد البعثة وقائدهم على سرية العمل والانضباط، وقبل أن نتناول الأحداث علينا الوقوف أمام مقدمتين: الأولى نثرية لهشام عيد، والثانية لشاعرة فلسطينية هويدا أحمد، قصيدة طويلة مستوحاة من وقائع وأحداث الرواية، ويعني هذا أن مايكل يوسف يطلع الأصدقاء على قراءة عمله الإبداعي قبل النشر، وهي خصلة محمودة تؤكد مدى تقبل المؤلف للملاحظات قبل أن يسعد بالمديح.

 

صدرت الرواية عن دار الزيات للنشر والتوزيع، وتبلغ الرواية 230 صفحة من قطع جاير، وغلاف بديع يساعد على الترويج للرواية ويشد المتلقي؛ فمن الظلام ينبثق وجه فتاة جميلة، ملامحها فرعونية، يلف اللوحة ظلام تام إلا ضوءًا شفيفًا على الوجه، تضع على رأسها تاجًا ملكيًا، وجسدًا متناسقًا يظهر بجوارها جدارية، ويكتمل الغلاف الأمامي بنوع العمل «رواية» واسم المؤلف ودار النشر.

 

هذه الفاتنة القادمة من أزمنة غابرة، قصتها هي الرواية نفسها، بينما الغلاف الأخير قُسِّم جزأين: الأول التعريف بـ«إيمونت.. لعنة الحب»، بينما خُصص الجزء الثاني للتعريف بالمؤلف وعمله؛ مهندس كمبيوتر تخصص شبكات، كتب مجموعات قصصية وروايات، بعض رواياته فازت بأعلى نسبة مبيعات في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورتين متتاليتين، وأصدر سلسلة بوليسية «الوريث» تُنشر إلكترونيًا. المؤلف متعدد المواهب، إضافة إلى إنتاجه الغزير.

تصورت أن الغلاف من تصميم المؤلف لقرب تخصصه، لكن الغلاف من تصميم محمود عبد الناصر، وقد يغفله المتلقي لصغر البونت.

قبل الفصل الأول عبارة توجهها إيمونت إلى حبيبها «آيا رع»:

«فخذ من صدري ما شئت حتى يضيء وجهك، وخذ كل شيء بي ومني وكن قريبًا».

 

اختار المصمم بنطًا صغيرًا لكنه «مقروء ومريح للعين»، معادلة قد تبدو صعبة، أعتقد لجأ إليها اقتصادًا في الصفحات، وبالتالي في سعر الرواية، أمر يُحسب للدار.

موت الأم «هويدا» يحيلنا إلى مسرحية ريا وسكينة، فأم الشويش عبد العال اسمها «رانيا»، وهو أحد أهم الإيفيهات.

بنية الرواية:

يحشد الكاتب جملة من الصفات الشخصية التي تؤكد اختلاف «بدر» عن صديق عمره «راتب».

يمهد الفصل الأول لالتحاق بدر وراتب بالبعثة الاستكشافية التي ينوي د. يحيى وهدان إعدادها للسفر إلى الأقصر.

كما ترى، القصة تبدأ من عالم واقعي مؤلم؛ فما أصعب فراق الأم، فالوحدة والوجع ينهشان روح بدر، إلا أن راتب يعينه على مواجهة موقف الموت، فالحياة لا بد أن تُعاش.

 

يهتم مايكل يوسف بتقديم شخصياته وكأننا نراها حقيقية نفضت عن نفسها غبرة القرون، فالعالم أمامنا بكل صراعاته. لم يكن النجاح في الاستلهام بل في الواقعي والآني. أما ما يعتمل في نفس قائد المجموعة الاستكشافية، فالنجاح له وتدفق الأموال، وإنكار جهود كل من ساعده، إنه شخصية متعجرفة تحمل عدوانية للجميع حتى مساعديه، كل ذلك ينتقص من قدره كعالم.

يختار الكاتب منزلًا في «نجع الشلاباب» على حدود مدينة أسوان. في الفصل الثاني يحمل بعض التفصيلات عن مهام البعثة:

«ما نحن بصدده اليوم هو عمل هام للغاية في التاريخ المصري، بل يمكن أن نصنفه على أنه من أعظم وأهم الاستكشافات في تاريخ مصر القديم» (ص 23–24).

 

إيمونت في الكتابات القديمة هي الصورة الأنثوية للإله آمون. ما دلالة عبارة: «كعادة المصري القديم لتقديس المرأة، صوّر الإله آمون صورة أنثوية» (ص 49)؟

هذه هي عتبة انطلاق الحكي داخل الرواية. فكيف بنى مايكل روايته، وما الفرضيات التي اعتمد عليها، وكيف الوصول لعالم مضى عليه قرون؟ لا شك أن المخايلة المبدعة طرحت الأفكار، فالمسألة ليست البحث عن الشخصية التي تم لعنها من قبل الإله آمون واختفى ذكرها.

 

هل يكفي البحث عن هذه الشخصية؟ وكيف يتقاطع التاريخي مع الواقعي؟ أحد الأساليب الروائية المقارنة بين إيمونت والدكتورة، المرأة الوحيدة في بعثة الاستكشاف، دور باهت لا يليق بأستاذة وباحثة ومكتشفة، ومن ثم تحمل الإدانة ليس للمرأة فقط بل للمجتمع وتقاليده وقيمه الضاغطة على المرأة والمهمشة لدورها.

بينما حكاية إيمونت تحمل تحديًا وصراعًا بين كبيرة كهنة معبد آمون وقناعة آمون الإله، بل كسر قواعد لعبة القوى داخل القصر الملكي ومعبد آمون لصالح الإنسان المصري البسيط. تتحول الحكاية داخل الرواية إلى صراعات النفوذ والسلطة وامتلاك ثروات البلاد، فيعاني المصري البسيط من الفقر والقهر والجوع، وتهتز هيبة البلاد، وتتطاول عليها بعض الممالك المجاورة.

هل كان «آيا رع» هو المخلص لخضوع إيمونت للإله آمون، وتحرير إرادتها وامتلاكها حرية الفعل، ومن ثم الوقوف بجانب الشعب وفتح خزائن الثروات أمام الجوعى؟

 

إن فكرة الكشف عن المعبد والعثور على الحبيبة إيمونت إحدى الطرق التي اتبعها المؤلف ليشد انتباه ودهشة المتلقي. نجح في بعضها، ولكنه عندما انفرد بدر بالمغامرة وتم تنحية راتب حدث نوع من الارتباك؛ كان الحب وحده لا يكفي لإتمام هذه المغامرة، فهناك أعداء مقربون: الملك والإله آمون، مثل «ميرت-كا».

لم تكن إيمونت امرأة عاشقة رومانسية تقابلت بالمصادفة بمحبوبها العصري، لكنها تحمل قوة وشكيمة تجعلها تواجه حكم الإله آمون. شخصية بدر شخصية رومانسية، بينما شخصية راتب شخصية عملية محبة للشهرة والمال، ويبدو هذا من الصفحة الأولى في الرواية.

حرص مايكل على تقديم بدر للسلطة القائمة آنذاك، فالتقى بالملك ووصف الرهبة الناتجة. قرأ المؤلف عدة كتب ليحيط بتاريخ تلك الحقبة وتأمل فلسفة المصريين وتقدمهم العلمي على كل من عاصروهم، ولا يمكن إغفال الدلالات العقائدية والنفسية وكيف واجه الإنسان المصري هذه المحن.

فعالم إيمونت عالم يكثف التحولات، وعلى بدر معرفة هذا العالم أي مداخله، فيفك طلاسمه ويتعامل معه بما يمتلك من علوم عصره. لذا لم يغفل هذه الأساليب التي بهرت الملك فجعله من المقربين، بينما تمتعت إيمونت بذكاء وقدرة على نجاة مصر التاريخية على يد أحفادها، فوارث هذه الحضارة لا بد أن يصل من قطع بالبحث في التاريخ ورفض ما سمي لعنة الفراعنة.

 

حرص الكاتب على الانتماء للثقافة الشرقية دون الوقوع في الانبهار بالثقافة الغربية. جاءت اللغة سلسة لا تعقيد فيها، وإن كنت أتمنى لو تُرجمت عبارات للغة المصرية القديمة. كرر الكاتب بعض العبارات الدالة على الدهشة، وغلب الوصف على الحوار، وإن استُبدل بالحوار الداخلي.

 

على طريقة المخرج العالمي هيتشكوك والمخرج المصري حسن الإمام، يظهر مايكل يوسف كشخصية محاورة لتؤكد رؤيته، كما ظهرت شخصية «الشيطان»، وكما يقول الكاتب: «غالبية رواياتي يظهر فيها الشيطان» كشخصية تلازم الإنسان منذ خروجه من الجنة، فالعالم ليس حكاية عاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيانًا وبنات.

 

 

الناقدة والأديبة زينب العسال زوجة الأديب محمد جبريل، وهي قامة نقدية معروفة بتركيزها على الرواية المعاصرة.

 عالمة أدب ونقد و تُعد من أبرز النقاد الذين تخصصوا في تحليل الرواية والقصة القصيرة، ولها إسهامات نقدية واسعة في الدوريات الثقافية المصرية والعربية.

 ارتبط اسمها باسم الأديب محمد جبريل (صاحب "الشاطئ الآخر" و"رباعية بحري")، ولم تكن مجرد زوجة بل كانت شريكة في المشروع الثقافي، حيث قدمت دراسات نقدية معمقة حول أعماله وحول أدب السكندريين بشكل عام.

 تميزت كتاباتها بالربط بين الحداثة الأدبية والجذور التراثية والشعبية، وهو الخط الذي اشترك فيه الزوجان في إبداعهما.

دراسة نقدية وتحليلة بقلم د. زينب العسال

إعداد صحفى وتنسيق د. اية نور

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow